فصل: قال الفخر:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.فوائد لغوية وإعرابية:

قال السمين:
{سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (95)}
قوله تعالى: {جَزَاءً}: يجوز أن ينتصبَ على المصدر بفعل مِنْ لفظه مقدرٍ، أي: يُجْزَوْنَ جزاء، وأن ينتصب بمضمونِ الجملة السابقة لأنَّ كونَهم يَأْوُوُن في جهنم في معنى المجازاة. ويجوز أن يكون مفعولًا من أجله. اهـ.

.من لطائف وفوائد المفسرين:

من لطائف القشيري في الآية:
قال عليه الرحمة:
{سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (95)} يريد أنهم في حَلفِهِم باللهِ لكم أن يدفع السوءَ مِنْ قِبَلِكم، وليس قصْدهم بذلك خلوصًا في اعتذارهم، ولا ندامةً على ما احتقبوه من أوزارهم، إنما ذلك لتُعْرِضُوا عنهم؛ فأَعْرِضوا عنهم؛ فإِنَّ ذلك ليس بمُنْجِيهم مما سيلقونه غدًا من عقوبة الله لهم، فإِنَّ اللهَ يُمْهِلُ العاصيَ حتى يتَوهَّمَ أنه قد تَجَاوَزَ عنه، وما ذلك إلا مَكْرٌ عُومِل به، فإذا أذاقه ما يستوجِبُه عَلِمَ أن الأمرَ بخلاف ما ظنّه، وما ينفع ظاهرٌ مغبوطٌ، والحال- في الحقيقة- يأسٌ من الرحمة وقنوطٌ، وفي معناه قالوا:
وقد حسدوني في قُرْبِ داري مِنْهُمُ ** وكم مِن قريبِ الدارِ وهو بعيدُ

اهـ.

.تفسير الآية رقم (96):

قوله تعالى: {يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (96)}

.من أقوال المفسرين:

.قال البقاعي:

المرتبة الثالثة الحلف للرضى عنهم فقال: {يحلفون لكم} أي مجتهدين في الحلف بمن تقدم أنهم يحلفون به وهو الله: {لترضوا عنهم} خوفًا من غائلة غضبكم {فإن ترضوا عنهم} أي لمجرد أيمانهم المبني على عدم إيمانهم {فإن الله} أي الذي له الغنى المطلق {لا يرضى} عنهم، هكذا كان الأصل ولكنه قال: {عن القوم الفاسقين} إشارة إلى تعليق الحكم بالوصف وتعميمًا لكل من اتصف بذلك، والمعنى أنه لا ينفعهم رضاكم وتكونون به مخالفين الله، فهو في الحقيقة نهي للمؤمنين عن الرضى عنهم، أبرز في هذا الأسلوب العجيب المرقص، وفي ذلك رد على من يتوهم أن رضى المؤمنين لو رضوا عنهم يقتضي رضى الله، فإن ذلك رد نزعة مما يفعل الأحبار والرهبان في رضاهم وغضبهم وتحليلهم وتحريمهم الذي يعتقد أتباعهم أنه عن الله تعالى. اهـ.

.قال الفخر:

ولما بين في الآية أنهم يحلفون بالله ليعرض المسلمون عن إيذائهم، بين أيضًا أنهم يحلفون ليرضى المسلمون عنهم، ثم إنه تعالى نهى المسلمين عن أن يرضوا عنهم، فقال: {فَإِن تَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِنَّ الله لاَ يرضى عَنِ القوم الفاسقين} والمعنى: أنكم إن رضيتم عنهم مع أن الله لا يرضى عنهم، كانت إرادتكم مخالفة لإرادة الله، وأن ذلك لا يجوز.
وأقول: إن هذه المعاني مذكورة في الآيات السالفة، وقد أعادها الله هاهنا مرة أخرى، وأظن أن الأول خطاب مع المنافقين الذين كانوا في المدينة، وهذا خطاب مع المنافقين من الأعراب وأصحاب البوادي، ولما كانت طرق المنافقين متقاربة سواء كانوا من أهل الحضر أو من أهل البادية، لا جرم كان الكلام معهم على مناهج متقاربة. اهـ.

.قال ابن الجوزي:

قوله تعالى: {يحلفون لكم لتَرْضَوْا عنهم}
قال مقاتل: حلف عبد الله بن أُبيّ للنبي صلى الله عليه وسلم: لا أتخلف عنك، ولأكونَنَّ معك على عدوِّك، وطلب منه أن يرضى عنه، وحلف عبد الله بن سعد بن أبي سرح لعمر بن الخطاب، وجعلوا يترضَّون النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لما قدم المدينة: «لا تجالسوهم ولا تكلِّموهم». اهـ.

.قال أبو حيان:

{يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين}
قال مقاتل: نزلت في عبد الله بن أبي حلف بالله الذي لا إله إلا هو لا يتخلف عنه بعدها، وحلف بن أبي سرح لنكونن معه على عدوه، وطلب من الرسول أن يرضى عنه، فنزلت، وهنا حذف المحلوف به، وفي قوله: {سيحلفون بالله} أثبت كقوله: {إذ أقسموا ليصرمنها} وقوله: {وأقسموا بالله} فلا فرق بين حذفه وإثباته في انعقاد ذلك يمينًا.
وغرضهم في الحلف رضا الرسول والمؤمنين عنهم لنفعهم في دنياهم، لا أنّ مقصدهم وجه الله تعالى.
والمراد: هي أيمان كاذبة، وأعذار مختلفة لا حقيقة لها.
وفي الآية قبلها لما ذكر حلفهم لأجل الإعراض، جاء الأمر بالإعراض نصًا، لأنّ الإعراض من الأمور التي تظهر للناس، وهنا ذكر الحلف لأجل الرضا فأبرز النهي عن الرضا في صورة شرطية، لأن الرضا من الأمور القلبية التي تخفى، وخرج مخرج المتردّد فيه، وجعل جوابه انتفاء رضا الله عنهم، فصار رضا المؤمنين عنهم أبعد شيء في الوقوع، لأنه معلوم منهم أنهم لا يرضون عمن لا يرضى الله عنهم.
ونص على الوصف الموجب لانتفاء الرضا وهو الفسق، وجاء اللفظ عامًّا، فيحتمل أن يراد به الخصوص كأنه قيل: فإنّ الله لا يرضى عنهم، ويحتمل بقاؤه على العموم فيندرجون فيه ويكونون أولى بالدخول، إذ العام إذا نزل على سبب مخصوص لا يمكن إخراج ذلك السبب من العموم بتخصيص ولا غيره. اهـ.

.قال أبو السعود:

{يَحْلِفُونَ لَكُمْ} بدلٌ مما سبق، وعدمُ ذكر المحلوفِ به لظهوره أي يحلِفون به لظهوره أي يحلفون به تعالى: {لِتَرْضَوْاْ عَنْهُمْ} بحلفهم وتستديموا عليهم ما كنتم تفعلون بهم.
{فَإِن تَرْضَوْاْ عَنْهُمْ} حسبما راموا وساعدتموهم في ذلك {فَإِنَّ الله لاَ يرضى عَنِ القوم الفاسقين} أي فإن رضاكم عنهم لا يُجديهم نفعًا لأن الله ساخطٌ عليهم ولا أثرَ لرضاكم عند سخطِه سبحانه، ووضعُ الفاسقين موضعَ ضميرِهم للتسجيل عليهم بالخروج عن الطاعة المستوجبِ لما حل بهم من السُخط وللإيذان بشمول الحُكمِ لمن شاركهم في ذلك والمرادُ به نهيُ المخاطبين عن الرضا عنهم والاغترارِ بمعاذيرهم الكاذبةِ على أبلغ وجهٍ وآكدِه فإن الرضا عمن لا يرضى عنه الله تعالى مما لا يكاد يصدرُ عن المؤمن، وقيل ذلك لئلا يَتوهمَ متوهمٌ أن رضا المؤمنين من دواعي رضا الله تعالى. قيل: هم جدُّ بنُ قيس ومعتبُ بنُ قشير وأصحابُهما وكانوا ثمانين منافقًا فقال النبي صلى الله عليه وسلم للمؤمنين حين قدم المدينةَ: «لا تجالسوهم ولا تكلموهم»، وقيل: جاء عبد اللَّه بن أبي يحلف أن لا يتخلفُ عنه أبدًا. اهـ.

.قال الألوسي:

{يَحْلِفُونَ لَكُمْ} بدل مما سبق، والمحلوف عليه محذوف لظهوره كما تقدم أي يحلفون به تعالى على ما اعتذروا {لِتَرْضَوْاْ عَنْهُمْ} بحلفهم وتستديموا عليهم ما كنتم تفعلون بهم {فَإِن تَرْضَوْاْ عَنْهُمْ} حسبما طلبوا {فَإِنَّ الله لاَ يرضى عَنِ القوم الفاسقين} أي فرضاكم لا ينتج لهم نفعا لأن الله تعالى ساخط عليهم ولا أثر لرضا أحد من سخطه تعالى، وجوز بعضهم كون الرضا كناية عن التلبيس أي أن أمكنهم أن يلبسوا عليكم بالأيمان الكاذبة حتى يرضوكم لا يمكنهم أن يلبسوا على الله تعالى بذلك حتى يرضى عنهم فلا يهتك أستارهم ولا يهينهم وهو خلاف الظاهر، ووضع الفاسقين موضع ضميرهم للتسجيل عليهم بالخروج عن الطاعة المستوجبة لما حل بهم، والمراد من الآية نهى المخاطبين عن الرضا عنهم والاغترار بمعاذيرهم الكاذبة على أبلغ وجه وآكده فإن الرضا عمن لا يرضى عنه الله تعالى مما لا يكاد يصدر عن المؤمن، والآية نزلت على ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في جد بن قيس ومعتب بن قشير وأصحابهما من المنافقين وكانوا ثمانين رجلًا أمر النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنين لما رجعوا إلى المدينة أن لا يجالسوهم ولا يكلموهم فامتثلوا، وعن مقاتل أنها نزلت في عبد الله بن أبي حلف للنبي صلى الله عليه وسلم أن لا يتخلف عنه أبدًا وطلب أن يرضى فلم يفعل صلى الله عليه وسلم. اهـ.

.قال ابن عاشور:

{يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (96)}
هذه الجملة بدل اشتمال من جملة: {سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم} [التوبة: 95] لأنهم إذا حلفوا لأجل أن يعرض عنهم المسلمون فلا يلوموهم، فإن ذلك يتضمن طلبهم رضى المسلمين.
وقد فرّع الله على ذلك أنه إن رضي المسلمون عنهم وأعرضوا عن لومهم فإن الله لا يرضى عن المنافقين.
وهذا تحذير للمسلمين من الرضى عن المنافقين بطريق الكناية إذ قد علم المسلمون أن ما لا يُرضي الله لا يكون للمسلمين أن يرضوا به.
والقوم الفاسقون هم هؤلاء المنافقون.
والعدول عن الإتيان بضمير (هم) إلى التعبير بصفتهم للدلالة على ذمهم وتعليل عدم الرضى عنهم، فالكلام مشتمل على خبر وعلى دليله فأفاد مفاد كلامين لأنه ينحلّ إلى: فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عنهم لأن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين. اهـ.

.قال الشعراوي:

{يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (96)}
والرضا هو اطمئنان القلب إلى أمر فيه نفعٌ؛ فحين أقول: أنا راضٍ بالشيء الفلاني، فمعنى هذا أن كمية النفع التي آخذها منه تكفيني. ومرحلة الإرضاء تختلف من إنسان إلى آخر، فقد ترضى أنت بنفع ما، وعند غيرك ما هو أحسن منه لكنه غير راضٍ، ويتميز المؤمن بأن كل ما يجري عليه من غير كسب منه، لابد أن يرضى به؛ لأن مجريه رحيم. وقد تكون الرحمة لأمر لا يعلمه المؤمن الآن؛ فقد يُضَن عليه بمال؛ لأنه وقد تكون الرحمة لأمر لا يعلمه المؤمن الآن؛ فقد يُضَن عليه بمال؛ لأنه سبحانه لو زَوَّده بالمال فقد يبعثره على أولاده، ويصبح المال وسيلة انحرافهم، فالحق سبحانه يعطيه المال بقدر ما يطعم أولاده إلى أن يمر أبناؤه من فترة المراهقة، ثم ينعم ربنا عليه بالمال بعد أن وصل الأبناء إلى النضج، وضنَّ الحق على العبد أحيانًا هو عين العطاء، ولذلك يقال: إذا لم يكُنْ ما تريد، فَلْتُرِدْ ما يكون.
ولماذا يحلف المنافقون؟ وتأتي الإجابة من الحق: {لِتَرْضَوْاْ عَنْهُمْ} وماذا يحقق رضا المؤمنين لهؤلاء المنافقين؟ ثم هل للمؤمن رضاء من خلف رضاء رسول الله؟ وهل لرسول الله رضا من خلف رضاء ربه؟
إن ما يُفرح هو رضا مَنْ يملك النفع، فأنتم حين ترضون عنهم بعد أن يحلفوا لكم، وتقتنعوا ببشريتكم؛ فترضوا عنهم، فليس لكم رضا ينفعهم، ولا لرسول الله رضا من وراء رضا ربه، فالرضا الحق هنا هو رضا الله، فإياكم أن يخدعوكم بمعسول الكلام، وزيف الأساليب؛ كي ترضوا عنهم.
ثم يقول الحق: {فَإِن تَرْضَوْاْ عَنْهُمْ}.
أي: إن تحقق هذا الرضا منكم عنهم، فهو رضًا بعيد عن رضا الله ورسوله، وليس من باطن رضا رسول الله، ولا من باطن رضا الله؛ بذلك يُنْهي الحق الآية بقوله: {فَإِنَّ الله لاَ يرضى عَنِ القوم الفاسقين} وإن لم يَرْضَ الله فرضاكم لن ينفعكم، وطلبهم الرضا منكم غباء منهم، فإن رضاكم عنهم لن يقدم، ولن يؤخر؛ إلا إن كان من باطن رضا الله، ورضا رسوله.
وهنا ملحظ: هم فاسقون أم كافرون؟ نقول: إن الحق سبحانه أوضح لنا: {إِنَّ المنافقين فِي الدرك الأسفل مِنَ النار...} [النساء: 145].
أي أن مكان المنافق في النار أسفل من مكان الكافر. وكيف يكون المنافق فاسقًا مع أن المؤمن قد يكون فاسقًا؟ فالمؤمن قد يفسق بأن يرتكب كبيرة من الكبائر، وسبحانه يقول: {والسارق والسارقة فاقطعوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ الله...} [المائدة: 38].
فالمؤمن قد يسرق، وقد يزني أيضًا. فسبحانه يقول: {الزانية والزاني...} [النور: 2].
وما دام سبحانه قد جرّم الفعل، ووضع له عقوبة؛ فمن الممكن أت يرتكبه المؤمن، ولكن علينا أن نُفرِّق بين الفاسق والعاصي، فمن يرتكب الكبائر فهو فاسق، ومن يرتكب الصغائر فهو عاص. فكيف يصف الله المنافقين بالفسق؟ ولنذكر ما نقوله دائمًا من أن الكفر، إنما هو كفر بمحمد وبالإسلام، والفسق إذا جاء مع الكفر فهو ليس فسق ارتكاب المعصية والإنسان على دين الإسلام، لكنه الخروج عن الطاعة حتى في الأديان التي يتبعها أي قوم، فالأديان كلها تضم قدرًا من القيم، وأتباعها محاسبون على القيم التي في أديانهم، لكنهم أيضًا يفسقون عنها. اهـ.